تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أو حديدا أو خلقا مما يستبعد عندكم قبوله للحياة كالسماوات والأرض والجبال ، فإن اللّه لا يعجزه إحياؤكم لتساوى الأجسام في قبولها الأعراض المختلفة ، فكيف إذا كنتم عظاما بالية ، وقد كانت قبل حيّة ، والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد ؟ . وخلاصة هذا - إنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم اللّه عن الإعادة والإحياء ، وهذا كما يقول القائل للرجل : أتطمع فىّ وأنا فلان ؛ فيقول : كن ابن من شئت ، كن ابن الخليفة ، فسأطلب منك حقي . وجملة المعنى - إن في هذا مبالغة أيّما مبالغة في قدرة القادر العليم على الإعادة والإحياء ، كما يقال : لو كنت عين الحياة فاللّه يميتك ، ولو كنت عين الغنى فاللّه يفقرك . وبعد أن استبعدوا الإعادة استبعدوا صدورها وهي على هذه الحال حجارة أو حديدا من أىّ معيد . كما حكى عنهم سبحانه بقوله :
( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )
أي فسيقولون لك من يعيدنا ونحن على هذه الحال ؟ قل لهم تحقيقا للحق وإزاحة للاستبعاد ، وإرشادا إلى طريق الاستدلال : الذي يفعل ذلك هو القادر العظيم ، الذي ذرأكم أول مرة على غير مثال يحتذى ، ولا منهاج معين ينتحى ، وكنتم ترابا لم يشمّ رائحة الحياة ، أليس الذي يقدر على ذلك ، يقدر على أن يفيض الحياة على العظام البالية ، ويعيدها إلى ما كانت عليه أولا ؟ بلى إنه سبحانه على كل شئ قدير . ثم بين جلّت قدرته ما يفعلون حين سماع هذه الإجابة فقال :
( فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ )
قال أبو الهيثم يقال لمن أخبر بشيء فحرك رأسه إنكارا له : قد أنغض ، أي إنك إذا قلت لهم ذلك يحركون رؤوسهم استهزاء وتكذيبا ، ثم يسألون .
( وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ؟ )
أي متى هذا البعث ، وفي أي وقت وحال يعيدنا خلقا جديدا كما كنا أول مرة ، ومقصدهم من هذا السؤال استبعاد حصوله .