تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
محمد ، غير أنى أرى شفتيه تتحركان بشيء ، وقال أبو سفيان : إني لأرى بعض ما يقول حقا ، وقال أبو جهل : هو مجنون ، وقال أبو لهب : هو كاهن ، وقال حويطب بن عبد العزّى : هو شاعر فنزلت هذه الآية

الإيضاح

( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً )
أي وإذا قرأت أيها الرسول القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدّقون بالبعث ، ولا يقرون بالثواب والعقاب - جعلنا بينك وبينهم حجابا يمنع قلوبهم عن أن تفهم ما تقرؤه عليهم فينتفعوا به ، عقوبة منالهم على كفرهم وتدسيتهم لأنفسهم ، واجتراحهم الجرائر والمعاصي التي تظلم القلوب ، وتضع عليها الأغشية ، وتستر عنها فهم حقائق القرآن ومراميه ، وأسراره وأحكامه وحكمه ، ومواعظه وعبره . روى أنه عليه الصلاة والسلام الصلاة كان إذا قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان وعن يساره آخران من ولد قصىّ يصفّقون ويصفرون ويخلّطون عليه بالأشعار . ثم بين السبب في عدم فهمهم لمدارك القرآن فقال :
( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً )
أي إنه تعالى جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته . وخلاصة ذلك - إنا منعناهم فقهه ، والوقوف على كنهه ، فنبت قلوبهم عن فهمه ، ومجّته أسماعهم ، فهم لامتناعهم عن قبول دلائله صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب ساتر . ونسب جعل الحجاب إلى نفسه ، لأنه خلّاهم وأنفسهم ، فصارت تلك التخلية كأنها السبب في وقوعهم في تلك الحال ؛ ألا ترى أن السيد إذا لم يراقب أحوال مولاه حتى ساءت حاله ، يقول أنا الذي أوصلك إلى هذا ، إذ ألقيت حبلك على غاربك ، ولم أراقبك عن كثب . ونحو الآية قوله :
« وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ »
.