تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
( 2 ) إنهم قالوا إن ما جاء به إنما هو تعليم من البشر من بعض أهل الكتاب لا من اللّه ، فأبطل هذه الشبهة بأنه كلام عربى مبين ، وما نسبتم إليه تعليمه أعجمي ، فكيف به يعلمه الكلام العربي الفصيح الذي أعجز العرب قاطبة أن يأتوا بمثله ؟ .

الإيضاح

( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى ، واللّه أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه - قال المشركون المكذبون لرسوله : إنما أنت متقوّل على اللّه تأمر بشيء ثم تنهى عنه ، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة . وقليل منهم يعلمون ذلك وينكرون الفائدة عنادا واستكبارا . وفي قوله
( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ )
توبيخ لهم وإيماء إلى أن التبديل لم يكن للهوى ، بل كان لحكمة اقتضته ودعت إليه من تغير الأحوال والأزمان ، ألا ترى أن الطبيب يأمر المريض بدواء بعينه ، ثم إذا عاده مرة أخرى نهاه عن ذلك الدواء وأمره بضده أو بما لا يقرب منه بحسب ما يرى من حال المريض ؟ . وهكذا الشرائع إنما توضع مشاكلة للزمان والمكان والأحوال الملابسة لها ، وقد يطرأ ما يغيّرها ويستدعى وضع تشريع آخر يكون أصلح للأحوال المفاجئة ، والمشاهدة تدل على صدق هذا ، فإنا نرى القوانين الوضعية تغيّر آنا بعد آن إذا جد ما يستدعى ذلك ، وقد تقدم بسط هذا في سورة البقرة . ثم بين لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ ، الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند اللّه ، وأن رسوله صلى اللّه عليه وسلّم قد افتراه فقال :
( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ )
أي قل لهم : قد جاء جبريل من عند ربى بما أتلوه عليكم ، واقتضته الحكمة البالغة ، من تثبيت المؤمنين وتقوية إيمانهم بما فيه من أدلة قاطعة وبراهين ساطعة ، على