تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بالدرس والتلقين من أخصائيين مع الاختلاف إليهم مددا متطاولة ، فليس من الميسور ولا مما يجد العقل اطمئنانا إليه أن يتعلم مثل هذا من غلام سوقي سمع منه أخبارا بلغة أعجمية لعله لم يكن يعرف معناها . وعلى نحو آخر كأنه قيل لهم : أنتم أفصح الناس بيانا ، وأقواهم حجة وبرهانا ، وأقدرهم على الكلام نظما ونثرا ، وقد عجزتم وعجز جميع العرب أن يأتوا بمثله ، فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن ؟ . وفي التشبث بأمثال هذه المطاعن الركيكة ، والخرافات الساذجة ، أبلغ دليل على أنهم بلغوا غاية العجز ، ونهاية السّخف .
فدعهم يزعمون الصبح ليلا * أيعمى الناظرون عن الضياء
ثم توعدهم على ما قالوا بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال :
( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )
أي إن الذين لا يصدّقون بأن هذه الآيات من عند اللّه ، بل يقولون فيها ما يقولون ، فيقولون تارة إنها مفتريات ، ويقولون أخرى إنها من أساطير الأولين - لا يهديهم اللّه إلى معرفة الحق الذي ينجيهم من عذاب النار ، لما يعلم من سوء استعدادهم بما اجترحوا من السيئات ، ودنّسوا به أنفسهم من ارتكاب الموبقات ولهم في الآخرة إذا وردوا إلى ربهم عذاب مؤلم موجع ، كفاء ما نصبوا له أنفسهم من العداء لرسوله : والتكذيب لآيات الكتاب . ولما نسبوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الافتراء رد اللّه عليهم بقوله :
( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ )
أي إنما يتخرّص الكذب ويتقوّل الباطل ، الذين لا يصدقون بحجج اللّه وآياته التي نصبها في الكون ، وأقامها أدلة على وجوده ووحدانيته ، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا ، ولا يخشون على الكذب عقابا ، وهذه صفاتكم أيها المشركون لا صفات النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، ومن ثم حكم عليهم بالكذب حكما صريحا فقال :