الدنيا وما فيها ، تنفد وتنقضى ، وإن طال الأمد وجلّ العدد ، وما في خزائن اللّه باق لا نفاد له ، فلما عنده فاعملوا ، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا .
ثم رغب سبحانه المؤمنين في الصبر على ما التزموه من شرائع الإسلام فقال :
( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
أي ولنثيبن الذين صبروا على أذية المشركين وعلى مشاقّ الإسلام التي تتضمن الوفاء بالعهود والمواثيق ، الثواب العظيم الذي هم له أهل ، كفاء صبرهم وهو أحسن أعمالهم ، إذ كل التكاليف محتاجة إليه وهو أسّ الأعمال الصالحة .
وفي الآية عدة جميلة باغتفار ما عسى أن يكون قد فرط منهم أثناء ذلك من جزع يعتريهم بحسب الطبيعة البشرية .
ثم رغّبهم في المثابرة على أداء الطاعات وعمل الواجبات الدينية فقال :
( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
أي من عمل صالح الأعمال ، وأدى فرائض اللّه التي أوجبها عليه ، وهو مصدّق بثوابه الذي وعد به أهل طاعته ، وبعقاب أهل المعصية على عصيانهم ، فلنحيينه حياة طيبة ، تصحبها القناعة بما قسم اللّه له ، والرضا بما قدّره وقضاه ، إذ هو يعلم أن رزقه إنما حصل بتدبيره ، واللّه محسن كريم لا يفعل إلا ما فيه المصلحة ، ويعلم أن خيرات الدنيا سريعة الزوال ، فلا يقيم لها في نفسه وزنا ، فلا يعظم فرحه بوجدانها ، ولا غمه بفقدانها .
ثم هو بعد ذلك يجزى في الآخرة أحسن الجزاء ، ويثاب أجمل الثواب ، جزاء ما قدّم من عمل صالح ، وتحلى به من إيمان صادق .
أما من أعرض عن ذكر اللّه ، فلم يؤمن ولم يعمل صالحا ، فهو في عناء ونكد ، إذ يكون شديد الحرص والطمع في الحصول على لذات الدنيا ، فإن أصابته محنة أو بلاء استعظم أمره ، وعظمت أحزانه ، وكثر غمه وكدره ، وإذا فاته شئ من خيراتها عبس وبسر ، وامتلأ قلبه أسى وحسرة ، لأنه يظن أن السعادة كل السعادة