تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
إذا عاهدتم ، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهده وبيعة رسوله ، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم ، وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال ؟ ثم أنذر وحذر من خالف الحق وركن إلى الباطل فقال :
( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )
أي وليبيننّ لكم ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه ، لمجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته - ما كنتم تختلفون فيه من إقرار المؤمن بوحدانية ربه ، ونبوة نبيه ، والوحي إلى أنبيائه ، والكافر بكذبه بذلك كله . وبعد أن أبان أنه كلفهم الوفاء بالعهد ، وتحريم نقضه أتبعه ببيان أنه قادر على جمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الإيمان فقال :
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
أي ولو شاء اللّه لجعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة ولم يجعل لهم اختيارا فيما يفعلون ، فكانوا في حياتهم الاجتماعية أشبه بالنمل والنحل ، وفي حياتهم الروحية أشبه بالملائكة ، مفطورين على طاعة اللّه واعتقاد الحق ، وعدم الميل إلى الزّيغ والجور ، لكنه تعالى خلقهم كاسبين لا ملهمين ، وعاملين بالاختيار لا مفطورين ، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم ، فللإنسان اختيار أوتيه بحسب استعداده الأزلي وهو مجبور فيه ، والثواب والعقاب يترتبان على هذا الاختيار الذي يشاهد ، وتكون عاقبته الجنة أو النار .
( وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي ولتسألن يوم القيامة جميعا سؤال محاسبة ومجازاة ، لا سؤال استفهام واستفسار ، وقد تكرر ذكر هذا المعنى في سور كثيرة .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 94 إلى 97 ]

وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 )
تفسير المراغي — صفحة 135 | أحمد مصطفى المراغي