تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
منهم في هذه الغزوة وغيرها لبلائهم الحسن فيها ، ولأنهم لم يصروا على شئ منها . وقد كانت هفواتهم على سنن الطباع البشرية واجتهاد الرأي فيما لم يبينه اللّه بيانا قطعيا بحيث يعد مخالفه عاصيا ، وقد فسر ابن عباس التوبة على النبي صلى اللّه عليه وسلم هنا بقوله في سياق هذه الغزوة « عفا اللّه عنك - لم أذنت لهم ؟ » أي إن التوبة كانت من اجتهاد لم يقره اللّه عليه إذ غيره كان خيرا منه ، وتوبة المهاجرين والأنصار ، وهم خلّص المؤمنين كانت من تثاقلهم في الخروج حتى ورد الأمر الحتم والتوبيخ على التثاقل إلى الأرض ، ومنهم من كان ذنبه السماع للمنافقين فيما كانوا يبغون من فتنة المؤمنين . وتوبة اللّه على عباده توفيقهم للتوبة وقبولها منهم ، وإنما يتوبون من ذنب ، وما كل ذنب معصية للّه عزّ وجل .
( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ )
أي الذين اتبعوه ولم يتخلفوا عنه وقت الشدة والضيق ، وكانت عسرة في الزاد إذ كان الوقت نهاية فصل الصيف الذي نفدت فيه مئونتهم من التمر ، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه إرطاب الموسم الجديد ، ولا يمكن حمل شئ منه ، فكان يكتفى الواحد منهم أو الاثنان بالتمرة الواحدة من التمر القديم ومنه المدوّد واليابس ، ومنهم من تزوّد بالشعير المسوس والإهالة ( الشحم المذاب ) الزنخة المتغيرة الرائحة - وعسرة في الماء حتى كانوا ينحرون البعير على قلة الرواحل ليعتصروا الفرث الذي في كرشه ويبلّوا به ألسنتهم - وعسرة في الظهر ( في الإبل ) حتى كان العشرة يتعقبون بعيرا واحدا - وعسرة في الزمن إذ كان في حرارة القيظ ( شدة الحر ) . قال جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه في ساعة العسرة : عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء ، وقال ابن عباس لعمر رضى اللّه عنهم : حدّثنا من شأن ساعة العسرة ، فقال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا