تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
فأصابنا فيه عطش شديد ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل لينحر بعيره ليعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه : يا رسول اللّه إن اللّه قد عودك في الدعاء خيرا فادفع لنا ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .
( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ )
أي إنه تاب على المؤمنين كافة من بعد ما كاد يزيغ بعضهم عن الإيمان وهم الذين تخلفوا لغير علة النفاق ، وهم الذين وصفهم اللّه بأنهم عملوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم ، فقبل اللّه توبتهم كما ذكر فيما سلف .
( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ )
هذا تكرير للتوكيد كما يقال عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه ، فيدل ذلك على أنه عفو متأكد بلغ الغاية القصوى من القدرة والكمال . ثم علل قبول توبتهم بقوله :
( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
أي إن ربهم رؤوف رحيم بهم ، فلا يهملهم بأن ينزع الإيمان منهم بعد ما أبلوا في اللّه وأبلوا مع رسوله وصبروا في البأساء والضراء .
( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا )
أي ولقد تاب اللّه على الثلاثة الذين خلّفوا عن الخروج إلى تبوك مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم المرجون لأمر اللّه ، وتقدم أنهم ثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع .
( حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ )
أي خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رحبها وسعتها بالخلق جميعا خوفا من العاقبة وجزعا من إعراض النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين عنهم ، وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة . وهذا مثل للحيرة في الأمر ، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرّون فيه قلقا وجزعا مما هم فيه ، قال قائلهم :
كأنّ فجاج الأرض وهي فسيحة * على الخائف المطلوب كفّة حابل
ثم ترقى وانتقل من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم فقال :
تفسير المراغي — صفحة 41 | أحمد مصطفى المراغي