تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ )
أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار ، بأن ماتوا على الكفر ، أو بأن نزل وحي يسجل عليهم ذلك كإخباره تعالى عن بعض الجاحدين المعاندين بنحو قوله :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » ؟ *
. وخلاصة ذلك - إن النبوة والإيمان الصادق لا يبيحان الاستغفار للمشركين في كل حال ، حتى ولو كانوا أولى قربى إذا ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب الجحيم . ثم أجاب عن سؤال قد يختلج بالخاطر مما تقدم ، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم وقد استغفر إبراهيم لأبيه فقال :
( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ )
أي وما استغفر إبراهيم لأبيه آزر بقوله
( وَاغْفِرْ لِأَبِي ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ )
أي وفّقه للإيمان واهده إلى سبيله - إلا عن موعدة وعدها إياه بقوله :
« سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي »
أي لا أملك لك هداية ولا نجاة ، وإنما أملك أن أدعو اللّه لك . وقد وفّى إبراهيم بما وعد ، ولم يكن إلا وفيا كما شهد اللّه له بقوله :
« وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى »
.
( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ )
أي لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما مات تبين له أنه عدو للّه فتبرأ منه ، قال ابن عباس ، وقيل تبين له ذلك بوحي من اللّه فتبرأ منه ومن قرابته وترك الاستغفار له ، إذ هذا مقتضى الإيمان كما قال تعالى :
« لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ »
الآية . ثم بين السبب الذي حمل إبراهيم على الوعد بالاستغفار لأبيه مع شكاسته له وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله :
« لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا »
فقال :