تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ )
أي إن إبراهيم لكثير المبالغة في خشية اللّه والخضوع له ، صبور على الأذى والصفح عن زلّات غيره عليه .
( وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ )
أي وما كان من سنن اللّه في خلقه ولا من رحمته وحكمته أن يصف قوما بالضلال ويجرى عليهم أحكامه بالذم والعقاب بعد إذ هداهم إلى الإيمان ، وشرح صدورهم للإسلام - بقول يصدر منهم عن غير قصد أو عمل يحدث منهم باجتهاد خاطئ .
( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ )
من الأقوال والأفعال بيانا واضحا بوحي صراحة أو دلالة .
( إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
أي إنه تعالى عليم بجميع الأشياء ، ومن جملتها حاجة الناس إلى البيان ، فهو يبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع ، حتى لا يضل فيه اجتهادهم بأهواء أنفسهم ، ومن أجل هذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن تتبين له حاله ، وكذلك لا يؤاخذ النبي والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم وأولى القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم اللّه تعالى . ولما منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولى قربى ، وذلك يستدعى التبرؤ منهم وعدم انتظار النصرة من أحد - بين أن النصر لا يكون إلا من جهته تعالى فقال :
( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ )
أي إنه تعالى مالك كل موجود ، ومتولى أمره في السماوات والأرض ، وهو الذي يهب الحياة بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين ، ويميت من يشاء حين انقضاء أجله ، وليس لكم أيها المؤمنون من يتولى أموركم ، ولا من ينصركم على عدوكم غير اللّه تعالى ، فلا تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولى القربى الذين هم أهل الولاية والنصرة من ذوى الأرحام ، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه .