تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وبعد أن أورد البراهين والحجج الموجبة لقتالهم قال :
( أَ تَخْشَوْنَهُمْ ؟ )
أي أبعد هذا كله تتركون قتالهم خوفا منكم وجبنا ؟ .
( فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي فاللّه أحق أن تخشوا مخالفة أمره وترك مخالفة عدوه ، إذ المؤمن حق الإيمان لا يخشى إلا اللّه ، لأنه يعلم أنه هو الذي بيده النفع والضر ، ولا يقدر أحد على مضرة أو نفع إلا بمشيئته ، فان خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع ، فلا ترجح خشيته على خشية اللّه ، بأن تحمله على عصيانه ومخالفة أمره ، بل يرجّح خشيته تعالى على خشية غيره . وهذا احتجاج آخر على جماعة المسلمين الذين لا يخلو أن يكون بينهم جماعة من المنافقين ومرضى القلوب الذين يكرهون القتال إذا لم توجبه الضرورة كما قال :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ »
أو رجاء انتشار الإسلام بدونه بعد فتح مكة والطائف وهدم دولة الشرك . وخلاصة ما سلف - إنه بعد تلك الحجج التي تقدم ذكرها ، لم يبق من سبب يمنع قتالهم إلا الخشية لهم والخوف من قتالهم ، وخشية اللّه أحق وأجدر إن كنتم مؤمنين حقا ، كيف وقد نصركم اللّه عليهم في مواطن كثيرة مع ضعفكم وقوتهم وقلّتكم وكثرة عديدهم . وفي الآية إيماء إلى أن المؤمن يجب أن يكون أشجع الناس وأعلاهم همة ولا يخشى إلا اللّه وبعد أن أقام الأدلة على وجوب قتالهم ، وفنّد الشبه المانعة من ذلك - أمرهم به أمرا صريحا مع وعده لهم بالنصر وإظهار المؤمنين عليهم ، وهذه العدة من أخبار الغيب في وقعه معينة ، وقد صدق اللّه وعده فقال :
( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ )
أي قاتلوهم كما أمرتكم ، فإنكم إن فعلتم ذلك يعذبهم اللّه بأيديكم ويمكّنكم من رقابهم قتلا ، ومن صدورهم ونحورهم طعنا ، ويخزهم بذلّ الأسر والقهر والفقر لمن لم