تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
والمؤمن الموحّد لا يخضع إلا لربه ، وإنما يطيع رسوله لأنه مبلّغ عنه كما قال :
« مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ »
وفي حديث أحمد بن خديج أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنما أنا بشر مثلكم ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر » . هذا ، والبشر لم يصلوا في عصر من العصور إلى عشر ما وصلوا إليه في هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار ومعرفة المصالح والمفاسد في المعاملات والآداب ، ومع هذا فإن العلم وحده لم يغنهم شيئا ، فكثرت في البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور ونحو ذلك مما كان سببا في تدهور نظم المجتمعات . فخير وسيلة لإصلاح الأمم تربية . الأحداث والنابتة تربية دينية بإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل ، وإقناعهم بمضار الرذائل ، لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي .
( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً )
أي ولا تقعدوا بكل طريق تخوّفون من آمن بالقتل ، وقد روى عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة وكان الناس يمتارون منهم ، فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا ويقولون لهم إنه كذاب فلا يفتننكم عن دينكم . وقد رتب سبحانه هذه الأوامر والنواهي بحسب الترتيب الزمنى ، فوجهت الدعوة أولا إلى أقرب الناس في بلده ، ثم إلى الأقرب فالأقرب من الذين يزورون أرضهم ، وقد كان الأقربون دارا هم الأبعدين استجابة له ، وحين رأوا غيرهم يقبل دعوته ويهتدى بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل إليه إلا قعد بها من يتوعد سالكيها إليه ، ويصدونهم عن سبيل اللّه التي يدعوهم إليها ، ويطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا ، وهداها ضلالا .