تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وقد فشاكل من هذين النوعين في هذا العصر ، فكثير من التجار باخسون مطففون فيما يبيعون وما يشترون ، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخّاسون لحقوق بنى جلدتهم ، مدّعون للتفوق عليهم ، منكرون لما خص اللّه به سواهم من المزايا والخصائص حسدا عليهم وبغيا . وقد روى أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس أي بالنقصان .
( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها )
أي إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ومكّنهم في الأرض ، بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح ، وبما أودع في خلق الأرض من سنن حكيمة ، وقوانين مستقيمة ، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ونظم في المعاملات والاجتماع ، وبما أرشد إليه المصلحين من العلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط ، ويهدون الناس إلى ما فيه صلاحهم في دينهم ، والعاملين من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة الذين ينفعون الناس في دنياهم . فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغى ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش ، ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوّض نظم المجتمع ، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها .
( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي ذلكم الذي تقدم من الأمر والنهى خير لكم في دينكم ودنياكم ، فإن ربكم لا يأمر إلا بالنافع ولا ينهى إلا عن الضار . وإنما يكون ذلك خيرا لكم إن كنتم مؤمنين بوحدانية اللّه وبرسوله وبما جاءكم من شرع وبما آتاكم به من هدى ، فالإيمان يقتضى الامتثال والعمل بما جاء به الرسول من عند اللّه وإن خالف النفس والهوى .