تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
ولا سيما في البلاد التي تأنى إليها أنواع الزينة من البلاد الأجنبية عنها ، إذ تذهب الثروة إلى غير أهلها ، وربما ذهبت إلى من يستعين بها على استذلالهم والعدوان عليهم والخلاصة - إن الطعام والشراب من ضرورات الحياة الحيوانية ، ولكن ضل في ذلك فريقان : ( ا ) فريق البخلاء والغلاة في الدين تركوا الأكل والشرب من الطيبات المستلذة ، إما بخلا وشحا أو تحرجا وتأثما ، إما دائما أو في أوقات مخصوصة من السنة ( ب ) فريق المترفين الذين أسرفوا في اللذات البدنية وجعلوها جلّ همهم ، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام ، وليس لهم غاية يقفون عندها ، أو نهاية ينتهون إليها .
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ )
إخراج اللّه للزينة خلق موادها وتعليم طرق صنعها بما أودع في فطرهم من حبها والميل إلى الافتنان في استعمالها ، إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته في جميع ما خلق في هذا العالم الذي يعيشون فيه ، بما أودع في غرائزها من الميل إلى البحث في كشف المجهول والاطلاع على خفايا الأمور ، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى وأوجه لا نهاية لها ، ولن تنتهى بحوثهم ما دام الإنسان على ظهر البسيطة . وغريزة حب الزينة وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب في اتساع أعمال الفلاحة والزراعة ورقىّ ضروب الصناعة ، واتساع وسائل العمران ، ومعرفة سنن اللّه وآياته في الأكوان ، وهما لا يذمّان إلا بالإسراف فيهما والغفلة عن شكر المنعم بهما . والخلاصة - إن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي والكمال الخلقي ، وإنه لم يجعل تركهما قربة إلى اللّه كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم وقلّدهم في ذلك بعض المسلمين وصاروا يبثون في الأمم الإسلامية تعاليم تقضى