تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
( ح ) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له وموافقته لهواه ، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية ، والمرءوس في الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه ، صار الأمر فوضى والعاقبة وخيمة ، فلا يصلح عمل ولا يتم الفوز والنجاح . و قد روى أبو نعيم في الحلية عن جعفر الصادق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال اللّه تعالى له اسجد لآدم قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين » قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه اللّه يوم القيامة بإبليس . ( د ) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين ، وخيرية الموادّ بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ولا تثبت بالبرهان ، إلى أن كثيرا من الموادّ النفسية خسيسة الأصل ، ألا ترى أن أصل المسك الدم ، والماس من ( الكربون ) الذي هو أصل الفحم ، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار ، والنور خير من النار ، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم . ( ه ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي في هذه الأرض إما من الطين مباشرة أو بالواسطة وهي خير ما فيها ، وليس للنار شئ من هذه المزايا ولا ما يقرب منها . ( ز ) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه ، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له ، فكان بذلك أفضل منهم ، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم . وكل ما قدمنا مبنى على أن الأمر بالسجود أمر تكليف ، وأنه قد وقع حوار بين اللّه وإبليس . ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان ، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم - مسخرين لآدم وذريته ، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن اللّه فيها وعمله بهذه السنن ، فالانتفاع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها ، وبذلك ظهرت