تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ولا يبقى إلى يوم البعث ، إلا إذا قلنا إن يوم البعث ويوم القيامة يطلقان تارة على ما يشمل زمن مقدماتهما ، وتارة أخرى على زمن الغاية وحدها .
( قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ )
صراط اللّه المستقيم : هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن زكّى نفسه بهدى الدين الحق الذي يكمّل الفطرة كما جاء في الخبر : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه » . أي قال إبليس : فبإغوائك إياي من أجل آدم وذريته ، أقسم لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم ، فأصدنهم عنه وأقطعنّه عليهم بأن أزيّن لهم طرقا أخرى أشرعها لهم من جوانب هذا الطريق حتى يضلّوا عنه ، وهذا ما عناه سبحانه بقوله :
( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ )
أي ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا هاجمتهم منها مترصّدا لهم كما يقعد قطّاع الطريق للسابلة . وخلاصة ذلك - لأسوّلنّ لهم ولأصلنهم قدر المستطاع ، وقد ضرب لذلك المثل بحال العدو يأتي عدوه من أي جهة أمكنته ويفترص الفرصة إذا سنحت له .
( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ )
أي ولا تجد أكثرهم مطيعين لك ، شاكرين لنعمك عليهم ، في عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفي كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم ، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك ، وقد قال إبليس ذلك عن ظن فأصاب لقوله تعالى :
« وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. وروى عن ابن عباس في تفسير الجهات الأربع : من بين أيديهم أي أشككهم في آخرتهم ، ومن خلفهم أي أرغبهم في دنياهم ، وعن أيمانهم أي أشبه عليهم أمر دينهم ، وعن شمائلهم أي أستنّ لهم المعاصي ، ولا تجد أكثرهم شاكرين أي موحدين ؛ وفي رواية أخرى عنه من بين أيديهم - أي من قبل الدنيا ، ومن خلفهم أي من قبل الآخرة ، وعن أيمانهم أي من قبل حسناتهم ، وعن شمائلهم أي من قبل سيئاتهم .