تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
الألوهية وحقيقة الرسالة ، فقد اقترحوا عليه من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب ، وطلبوا منه الإخبار بما يكون في الزمان المستقبل ولا يعلمه إلا من كان علم الغيب صفة له كسائر الصفات . فقد سألوه عن وقت الساعة ، وعن وقت نزول العذاب بهم ، وعن وقت نصر اللّه تعالى له عليهم . وإذا علمت أن الأنبياء لم يؤتوا ذلك فأحر بمن دونهم منزلة عند اللّه من القديسين والأولياء المقرّبين ألا يكون لهم ذلك ، فادعاؤه لهم جهل عظيم وإثم كبير ، ولا ينبغي التحدث به لا بين العامة ولا بين الخاصة . كما يجب محوه من الأذهان لدى الجاهلين بسنن اللّه في الأكوان . ثم أمره أن يبين وظيفة الرسول فقال :
( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ )
أي قل لهم : ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه إلا وحي اللّه الذي يوحيه إلىّ وتنزيله الذي ينزله علىّ ، فأمضى لوحيه وأعمل بأمره ، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة على صحة ما أقول وليس ذلك بالمنكر في عقولكم ، ولا بالمستحيل وجوده ، فما وجه إنكاركم لذلك ؟ . ثم وبخهم على ضلالهم فأمر رسوله أن يبين لهم أن الضال والمهتدى ليسا سواء فقال :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ )
أي قل لهؤلاء المشركين المكذبين : هل يستوى أعمى البصيرة الضالّ عن الصراط المستقيم الذي دعوتكم إليه ، فلم يميز بين التوحيد والشرك ، ولا بين صفات اللّه وصفات البشر ، وذو البصيرة المهتدى إليه ، المستقيم في سيره عليه بالحجة والبرهان حتى صار ذلك في مرآة قلبه أوضح مما ترى العينان ، وتسمع الأذنان . والخلاصة - إنهما لا يستويان . كما أن أعمى العينين وبصيرهما لا يستويان .
( أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ )
فيما أذكر لكم من الحجج فتعلموا صحة ما أقول لكم وأدعوكم إليه ، وتميزوا بين ضلال الشرك وهداية الإسلام ، وتعقلوا ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان بذلك الأسلوب الرائع الذي لم تعهدوه من قبل ؟ فهل يكون ذلك في مقدوري