تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
فيه بما يشاء ، فيعطى لعباده من خزائنه بحسب ما أوتى كل منهم من الاستعداد في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات ، ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك إلى ما لم يؤته ولم يصل إليه استعداده . فالتصرف المطلق إنما هو للّه القادر على كل شئ ، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول المبلّغ عنه أمر الدين قادرا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب فضلا عن التصرف بغير سبب مما طلبه المشركون منه وجعلوه شرطا للإيمان به كتفجير الينابيع والأنهار في أرض مكة ، وإيجاد الجنات والبساتين فيها ، وإسقاط السماء عليهم كسفا ، والإتيان باللّه والملائكة قبيلا . فإن قال قائل : إن اللّه أثبت علم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل عليهم السلام كقوله في سورة الجن :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
فكيف أمره هنا أن يتنصل من ادعاء علم الغيب ؟ . وجوابه - أن إظهار شئ خاص من عالم الغيب على يدي الرسل - لا يجعل ذلك داخلا في علومهم الكسبية . فإن الوحي ضرب من العلم الضروري يجده النبي في نفسه حينما يظهره اللّه عليه ، فإذا حبس عنه لم يكن له قدرة ولا وسيلة كسبية للوصول إليه ، يؤيد ذلك ما جاء في فترات الوحي في السيرة النبوية ، وقد يكون توجه قلب الرسول إلى اللّه تعالى في بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي طلب من ربه بيانه - يرشد إلى ذلك قوله تعالى :
« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها »
. والخلاصة - إن الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم المكتسبة ، كذلك لم يعطوا التصرف في خزائن ملك اللّه ، فلم يمكّنهم ما لم يمكّن البشر من أسبابه حتى يكون من كسبهم وعملهم ، ولا هو أعطاهم ذلك على سبيل الخصوصية . ونفى الدعاء الرسول من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية أو ادعاء شئ من صفات الإله القادر على كل شئ ، العليم بكل شئ ، ويتضمن جهل المشركين حقيقة