فما بالنا نرى كثيرا ممن يدّعون الإيمان في هذا الزمان غير منصورين ، فلا بد إذا من أن يكونوا في إيمانهم غير صادقين ، ولأهوائهم متبعين ، ولسنته في أسباب النصر جاهلين ، فاللّه لا يخلف وعده ولا يبطل سننه ، بل ينصر المؤمن الصادق الذي يتحرّى الحق والعدل في حربه لا الظالم الباغي من خلقه ، والذي يقصد إعلاء كلمة اللّه ونصر دينه كما جاء في قوله :
« وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ »
وقوله
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ »
.
( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ )
من الآيات التي اقترحوها عليك ليؤمنوا فأتهم بها .
ذاك أنهم كانوا يقترحون الآيات على النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان يتمنى لو آتاه اللّه بعض ما طلبوا حرصا على هدايتهم ، وأسفا وحزنا على إصرارهم على غوايتهم ، لكن اللّه يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون وإن رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون .
والخلاصة - وإن كان إتيانك بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون عن بينة وبرهان ، فإن استطعت أن تبتغى لنفسك نفقا تطلبه في الأرض فتذهب في أعماقها ، أو سلما في جو السماء ترقى فيه إلى ما فوقها ، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك فأت بما يدخل طوع قدرتك من ذلك ، كتفجير ينبوع لهم من الأرض أو تنزيل كتاب تحمله من السماء وقد كانوا طلبوا ذلك كما حكى اللّه عنهم بقوله :
« وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
- إلى قوله -
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ »
وقد أمره اللّه أن يجيبهم عن ذلك بقوله عقب هذا :
« قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ »
أي وليس ذلك في قدرة البشر وإن كان رسولا فالرسل لا يقدرون على شئ مما يعجز عنه البشر ولا يستطيع إيجاده غير الخالق .
وخلاصة ذلك - إنك لن تستطيع الإتيان بشيء من تلك الآيات ولا ابتغاء