تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
هذا تعلم حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية مع الأمر بالصبر المرة بعد المرة ، لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له صلى اللّه عليه وسلم من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره . وفي الآية بشارة للرسول صلى اللّه عليه وسلم مؤكدة للتسلية بأن اللّه سينصره على المكذبين الظالمين من قومه ، وعلى كل من يكذبه ويؤذيه من أمة الدعوة ، كما أن فيها إيماء إلى حسن عاقبة الصبر ، فمن كان أصبر كان حقيقا بالنصر إذا تساوت بين الخصمين وسائل الغلب والقهر . ثم أكد هذا النصر بقوله :
( وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ )
أي إن ذلك النصر قد سبقت به كلمة اللّه ، في مثل قوله
« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ »
وكلمات اللّه لا يمكن أن يبدّلها مبدّل ، فنصر الرسل حتم لا بد منه . والتبديل جعل شئ بدلا من شئ آخر . وتبديل الكلمات والأقوال نوعان : ( 1 ) تبديل ذاتها بجعل قول مكان قول وكلمة مكان أخرى ، ومن هذا قوله تعالى :
« فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ »
. ( 2 ) تبديل مدلولها ومضمونها كمنع نفاذ الوعد والوعيد أو وقوعه على خلاف القول الذي سبق . ثم أكد سبحانه عدم التبديل بقوله :
( وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ )
أي ولقد جاءك ذلك الذي أشير إليه من خبر التكذيب والصبر والنصر من نبأ المرسلين الذي قصصناه عليك من قبل ؛ فقد روى أن سورة الأنعام نزلت بين سور الشعراء والنمل والقصص وهود والحجر المشتملة على نبأ المرسلين بالتفصيل . وكما وعد اللّه رسله بالنصر وعد المؤمنين به نحو قوله :
« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ »
وفي قوله
« وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ »
.