أي وحرّم عليكم أن تطلبوا علم ما قسم لكم بالأزلام كما كانت تفعل العرب في الجاهلية .
وحكمة هذا التحريم أنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها إلا من كان ضعيف العقل ، يفعل ما يفعل من غير بينة ولا بصيرة ، ويترك ما يترك كذلك ، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسّدنة ، ويتفاءل ويتشاءم بما لا فأل فيه ولا شؤم ، ومن ثمّ أبطل ذلك دين العقل والبصيرة كما أبطل التطيّر والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية ، إلى أن فيها افتراء على اللّه إن أرادوا بقولهم « أمرني ربى » اللّه عزّ وجل ، وجهلا وشركا إن أرادوا به الصنم ، إلى أن فيه طلبا لعلم الغيب الذي استأثر اللّه به .
وقد استنّ بعض جهال المسلمين بسنة مشركي الجاهلية ، أو بما يشبهها فتراهم يستقسمون بالسّبح وغيرها ويسمون ذلك استخارة أو فألا فيقتطعون طائفة من حب السّبحة ويحركونها حبة بعد أخرى ، يقولون : « افعل » على واحدة « لا تفعل » على الثانية ، ويكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة ، وما هذا بالاستخارة التي ورد الإذن بها ، بل قد ورد ما يؤيد تحريمها .
ومنهم من يستقسم أو يأخذ الفأل من القرآن الكريم فيصبغون عملهم بصبغة الدين ويلبسون الباطل ثوب الحق ، ولم يرد في هذا نص يجوّز العمل به ، ولكن الإلف والعادة جعلا هذا البدع مستحسنة وتأولوا لها اسم الفأل الحسن
ورووا في ذلك حديث أبي هريرة عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كان يعجبه الفأل الحسن »
وليس هذا من الفأل الحسن ، بل الفأل ضد الطيرة التي أبطلتها الأحاديث .
والعجيب من أمر بعض المسلمين أنهم تركوا الاهتداء بالقرآن وحرموه على أنفسهم واكتفوا من الإيمان به والتعظيم له بالاستقسام به كما كانت الجاهلية تستقسم بالأزلام ، أو الاستشفاء بمداد تكتب به آياته في كاغد أو جام ( فنجان ) وكل هذا من الضلالات والخرافات التي لم يرد شئ منها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن السلف الصالح .
تفسير المراغي — صفحة 52
مساهمون: أحمد مصطفى المراغي
ص٥٢