والمراد من الحشر إلى اللّه في مثل هذا مما جاء في القرآن الكريم ، أن الإنسان في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الناس يستقبل ما يلاقيه من اللّه جزاء عمله ، لا يشغله عنه شئ ، فيكون بذلك راجعا عن كل شئ فيه إلى اللّه ، محشورا مع سائر الناس .
أما الإنسان في هذه الدار فقد يغفل عن اللّه وينسى هيبته وجلاله ، وعظمته وسلطانه ، لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه ، وجلب اللذات والرغائب لها .
وإذا كان هذا مصير كل حي مهما كان سبب موته أو قتله ، فالاشتغال بذكر سبب المصير ومبدئه لا يفيد ، وإنما الذي يجدر بالعاقل هو الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له ، والعمل لما به الفوز والسعادة فيه .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 159 إلى 160 ]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 )
تفسير المفردات
اللين في المعاملة : الرفق والتلطف فيها ، والفظ : الخشن الشّرس الأخلاق الجافي في المعاشرة في القول والفعل ، والغليظ : القاسي الذي لا يتأثر قلبه من شئ ، وانفضّ القوم : تفرقوا كما قال :
« وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها »
والمشاورة : من قولك شرت العسل إذا اجتنيتها واستخرجتها من موضعها ، والمراد بالأمر سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف إلى نحو ذلك من المصالح الدنيوية ، والتوكل : إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاكتفاء به في فعل ما تحتاج إليه .