تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
عن الإسلام إذا كان وحده ، فكيف إذا اقترن به غيره من الآثام كالصدّ عن سبيل اللّه ، وعن المسجد الحرام ، والكفر باللّه ، والاعتداء بالقتال . وفي قوله إن استطاعوا استبعاد لاستطاعتهم ، وشك في حصولها ، وتنبيه إلى سخف عقولهم ، وكون فعلهم هذا عبثا لا يوصل إلى غرض ، لأن من عرف الإسلام معرفة صحيحة لا يرجع عنه إلى الكفر ، وهكذا حال الكافرين في كل عصر ومصر يقاتلوننا ليردونا عن ديننا إن استطاعوا . ثم عاقبة من يتأثر بهذه الفتنة فيرتد عن دينه فقال :
( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
أي ومن يرجع منكم عن الإسلام إلى الكفر ، ويمت على هذه الحال - بطلت أعماله حتى كأنه لم يعمل صالحا قط ، لأن قلبه قد أظلم فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية ، ويخسر الدنيا والآخرة ، أما خسارة الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة ، إذ يقتل عند الظفر به ، ولا يستحق موالاة المسلمين ولا نصرتهم ، وتبين منه زوجته ، ويحرم الميراث ، وأما خسارة الآخرة فيكفي في بيانها قوله :
( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
. والردة تارة تحصل بالقول كإنكار شئ مما علم من الدين قطعا ، وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحا بالدين كالسجود للشمس والصنم والاستهانة بالمصحف ونحو ذلك . وظاهر الآية يدل على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت صاحبها على الكفر ، وبه أخذ الشافعي ، ورأى أبو حنيفة أن الردة تحبط العمل حتى ولو رجع صاحبها إلى الإسلام تمسكا بعموم قوله تعالى :
« وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
وقوله :
« وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ »
. ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين ، بين جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين فقال :
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ )