تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ )
أي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام ، إذ اختلج في صدورهم أن الأمر به في غير الشهر الحرام والمسجد الحرام ، فسألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أيحلّ لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أولا ؟ ويؤيده ما روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث عبد اللّه بن جحش وهو ابن عمته في ثمانية من المهاجرين في جمادى الآخرة قبل وقعة بدر بشهرين ، ليترصد عيرا لقريش فيها عمرو ابن عبد اللّه الحضرمي وثلاثة معه ، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها تجارة من تجارة الطائف ، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة ، فقالت قريش : قد استحلّ محمد الشهر الحرام وهو الشهر الذي يأمن فيه الخائف ، ويسعى الناس فيه إلى معايشهم . ولما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : واللّه ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، ووقف العير والأسيرين ولم يأخذ منها شيئا ، ولما قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال ، ندموا على ما فعلوا وظنوا أن قد هلكوا فنزلت الآية ، فأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم العير وعزل منها الخمس وقسم الباقي بين أصحاب السريّة وفدى الأسيرين .
( قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ )
أي إن أىّ قتال فيه وإن كان صغيرا في نفسه أمر كبير مستنكر الوقوع لعظيم حرمته ، وأن ما فعله عبد اللّه بن جحش وما يفعله المسلمون فيما بعد من القتال فيه ، مبنىّ على قاعدة ارتكاب أخفّ الضررين إذا لم يكن من أحدهما بدّ ، فالقتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم ، ولكنه ارتكب لإزالة ما هو أعظم منه ، وذلك ما ذكره تعالى بقوله :
( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ )
أي إنّ منع المشركين للمؤمنين عن الطريق الذي يوصل إلى اللّه تعالى ، وهو الإسلام باضطهادهم للمسلمين ، وفتنتهم عن دينهم بقتلهم من يسلم تارة ، وإيذائه في نفسه وأهله وماله ومنعه من الهجرة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تارة أخرى ، ومنعهم المسلمين عن