المسجد الحرام في الحج والعمرة ، وإخراجهم أهله منه ، وهم النبي صلى اللّه عليه وسلم والمهاجرون ، وكفرهم باللّه تعالى - كل جريمة من هذه الجرائم التي يرتكبها المشركون أكبر عند اللّه من القتال في الشهر الحرام ، فما بالك بها وقد اجتمعت معا .
ثم ذكر عزّ اسمه السبب الذي من أجله شرع القتال ، وهي فتنة المؤمنين عن دينهم فقال :
( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ )
أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم كما فعلوا بعمار بن ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ وغيرهم ، فقد عذبوا عمارا بالكيّ بالنار ليرجع عن دينه ، وعذّب أبوه وأخوه وأمه ، فمرّ بهم النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : صبرا آل ياسر ، صبرا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ، ومات ياسر في العذاب ، وطعنت أمه بحربة في موضع عفتها فماتت ، وكان أمية بن خلف يعذب بلالا بالجوع والعطش ليلة ويوما ، ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء ( الرمل المحمى بحرارة الشمس ) ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى ، فيأبى ذلك وتهون عليه نفسه في سبيل الحفاظ على دينه .
وما امتنع منهم إلا من له عصبة من قومه ، على أنه لم يسلم من أذاهم ذوو العصبيات فقد آذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوضعوا سلا الجزور ( الكرش المملوء بالفرث ) على ظهره وهو يصلى حتى نحّته عنه فاطمة رضى اللّه عنها ، وتعرّضوا له بضروب أخرى من الإيذاء وقاه اللّه شرّها كما قال تعالى :
« إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ »
.
ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وكثر عددهم صاروا يقاتلونهم في مهجرهم لفتنتهم في الدين إن استطاعوا ، وهذا ما عناه سبحانه بقوله :
( وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا )
أي إن هؤلاء لا همّ لهم إلا منع الإسلام عن الانتشار في الأرض ، لاستحكام عداوتهم وحرصهم على فتنتكم فانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة طمع في غير مطمع ، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة