تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وبثا لمبدأ التكافل العام في الأسرة الإسلامية ، لتصلح جميع أعضائها وتكون كالبدن السليم ، لا يشتكى منه عضو من الأعضاء ، فيؤدى كل عضو وظيفته في الحياة ، ويعمل العمل الذي هيئ له بمقتضى النظام العام . قفى ذلك بذكر القتال وبذل النفس لإعلاء دين اللّه وجعل كلمته العليا وكلمة الكفر هي السفلى ونشر النور الإسلامي في أرجاء المعمورة لهدى الخلق ومعرفتهم للحق . ومن البين أن المال أخو الروح ، فالصلة بينهما وثيقة ، فناسب ذكر آيات القتال بعد ذكر أحكام الصدقة على النحو الذي عرفت .

الإيضاح

( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ )
أي فرض عليكم قتال الكفار فرض كفاية إذا قام به جماعة كفى ولم يلزم الباقين ، إلا إذا دخل العدوّ بلاد المسلمين فاتحا فيكون فرض عين . وقوله : وهو كره لكم ؛ أي شاقّ عليكم تنفر منه الطباع لما فيه من بذل المال وخطر هلاك النفس ، وهذه الكراهة الطبيعية لا تنافى الرضا بما يكلف به الإنسان كالمريض يشرب الدواء المرّ البشع الذي تعافه نفسه لما يرى فيه من منافع في العاقبة . وهذه أول آية فرض فيها القتال ، وكان ذلك في السنة الثانية للهجرة ، وقد كان القتال محظورا على النبي صلى اللّه عليه وسلم مدة إقامته في مكة ، فلما هاجر إلى المدينة أذن له في قتال من يقاتله من المشركين بقوله :
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا »
ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الجهاد .
( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ )
أي إن من الأشياء المكروهة طبعا ما يفعله الإنسان لما يرجو فيه من نفع وخير فيما بعد ، فقد يتحمل الإنسان أخطار الأسفار لتحصيل الربح في التجارة ، ويتحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة في الدنيا والعقبى .