تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
والحكمة في ذلك أن الخلق في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم لشكره والثناء عليه والتوسل إليه لاستمداد رحمته ومعونته ، وهم يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبىّ لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة ، فعيّن لهم مكانا نسبه إليه رمزا إلى أن ذاته المقدسة تحضره ، والحضور الحقيقي محال عليه ، فالمراد أن رحمته الإلهية تحضره ، ومن ثمّ كان التوجه إلى هذا المكان كالتوجه إلى تلك الذات العلية لو وجد العبد إلى ذلك سبيلا .
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً )
أي قال : رب اجعل هذا الوادي من البلاد الآمنة ، وهذا دعاء منه أن يكون البيت آمنا في نفسه من الجبابرة وغيرهم أن يسلّطوا عليه ، ومن عقوبة اللّه أن تناله كما تنال سائر البلدان من خسف وزلزال وغرق ونحو ذلك مما ينبئ عن سخط اللّه ومثلاته التي تصيب سائر البلاد . وقد استجاب اللّه دعاءه فلم يقصده أحد بسوء إلا قصم ظهره ، ومن تعدى عليه لم يطل زمن تعديه ، بل يكون تعديا عارضا ثم يزول .
( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )
أي وارزق أهله من أنواع الثمار إما بزرعها بالقرب منه ، وإما بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة ، وقد حصل كلاهما استجابة لدعوة إبراهيم كما هو مشاهد ، وقد جاء في سورة القصص :
( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ )
. وخص إبراهيم بدعائه المؤمنين ، وإن كان سبحانه لواسع رحمته جعل رزق الدنيا عاما للمؤمنين والكافرين
( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً )
لأن تمتيع الكافرين قصير محدود بذلك العمر القصير ، ثم إلى النار وبئس المصير ، وهذا ما بينه عزّ اسمه بقوله :
( قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
أي قال يا إبراهيم قد أجبت دعوتك ، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات ، ورزقت
تفسير المراغي — صفحة 212 | أحمد مصطفى المراغي