تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
حين اختبر إبراهيم ربّه ببعض الأوامر والنواهي ، فأدّاها خير الأداء ، وأتي بها على وجه الكمال كما قال :
( وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى )
. والمراد من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من الحوادث ، لأن الوقت محتو عليها ، فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا . والقرآن الكريم لم يعين الكلمات ، ومن ثم اختلفوا فيها ؛ فقيل هي مناسك الحج ، وقيل إنها الكواكب والشمس والقمر التي رآها واستدلّ بأفولها على وحدانية اللّه تعالى والعرب التي خوطبت به كانت تعرف المراد منها .
( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً )
أي قال إني جاعلك للناس رسولا يؤتمّ بك ، ويقتدى بهداك إلى يوم القيامة ، فدعا الناس إلى الحنيفية السمحة وهي الإيمان باللّه وتوحيده والبراءة من الشرك ، وما زال هذا جاريا في ذريته ، فلم ينقطع منها دين التوحيد ، ولأجل هذا وصف اللّه الإسلام بأنه ملة إبراهيم .
( قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي )
أي قال واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم ، وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة ، فتمنى لذريته الخير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ، ولا غرو فالإنسان يرجو أن يكون ابنه أحسن منه في جميع ذلك .
( قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )
أي قال أجبتك إلى ما طلبت ، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس ، ولكن عهدي بالإمامة لا يناله الظالمون ، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس . وفي ذكر الظلم مانعا من الإمامة تنفير لذرية إبراهيم منه وتبغيض لهم فيه ، ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته ، كيلا يقعوا فيه ويحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها ، كما هو تنفير من الظالمين وعدم مخالطتهم . فالإمامة الصالحة لا تكون إلا لذوي النفوس الفاضلة التي تسوق صاحبها إلى خير العمل ، وتنزعه عن الشرور والآثام ، ولا حظّ للظالمين في شئ من هذا .