كفارهم أيضا ، وأمتعهم بهذا الرزق أمدا قليلا وهو مدة وجودهم في الدنيا ، ثم أسوقهم إلى عذاب النار سوقا اضطراريا لا اختيار لهم فيه ، ولا يعلمون أن عملهم ينتهى بهم إليه .
ذاك أن أعمال البشر التي تقع باختيارهم ، لها آثار وغايات اضطرارية تنتهي بهم إليها وتكون نتيجة لها بحسب ما وضعه اللّه في نظام الكون من وجود المسبّبات عقب وجود أسبابها ، فالإسراف في الشهوات يفضى إلى بعض الأمراض في الدنيا ، كذلك الكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسوقهم ، وستكون نتيجة ذلك سوقهم إلى عذاب النار بمقتضى السنن الموضوعة .
وكل أعمال الإنسان النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضى بصاحبها إلى السعادة أو الشقاء ، وهي أعمال كسبية اختيارية ؛ فالإنسان متمكن من اختيار الحق وترك الباطل وترك الخبيث وفعل الطيب بما أعطاه اللّه من العقل وبما نزل عليه من الوحي ، فإذا حاد عن ذلك يكون قد ظلم نفسه وعرّضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدؤها كسبىّ وأثرها اضطراري .
وهذه السنن بقضاء اللّه وتقديره ، ومن ثم يصح أن يقال إن اللّه قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه ، وجعل الأرواح المدنّسة بالأخلاق الذميمة أو بالعقائد الفاسدة محل سخطه وموضع انتقامه في الآخرة ، كما جعل أصحاب الأمراض القذرة عرضة للأمراض في الدنيا .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 127 إلى 129 ]
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 ) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 )