تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
له أنه الحق من الرؤساء المعاندين ، والجهال المقلدين ( وكثير ما هم ) فأولئك هم الذين خسروا سعادة الدنيا والمجد والسيادة التي يعطيها اللّه من ينصر دينه ، كما قال تعالى :
( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ )
وخسروا نعيم الآخرة ، وحقّ عليهم العذاب الذي أعدّه اللّه للكافرين . وكفرانهم به آت إما بتحريف كتابهم المبشر به حتى لا تنطبق البشارة عليه ، ليوافق أهواءهم ، وإما بإهماله اكتفاء بقول علمائهم الذين أضافوا إلى التوراة ما شاءوا ليشتروا به ثمنا قليلا . وفي الآية إيماء إلى أن الذين يتلون الكتاب دون أن يتدبروا معانيه ، لاحظ لهم من الإيمان ، لأنهم لا يفقهون هداية اللّه فيه ، ولا تصل العظة إلى أفئدتهم بتلاوته . وفي هذا عبرة لنا كما قال :
( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ )
فينبغي أن يكون ذلك حافزا لنا في تدبر القرآن وفهمه ، لا قراءته لمجرد التلاوة كما قال تعالى :
( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها )
وقال :
( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )
. ولكن وا أسفا إن كل هذه الآيات والعبر لم تحل بين هذه الأمة وتقليدها من قبلها وحذوها حذوهم شبرا فشبرا وباعا فباعا ، والقرآن حجة عليها كما جاء في الحديث ( والقرآن حجة لك أو عليك ) . ومن يتله وهو معرض عن تدبره والتأمل في العبرة منه يكن كالمستهزئ بربه ، وما مثله إلا مثل من يرسل كتابا إلى آخر لغرض خاص فيقرؤه المرسل إليه مثنى وثلاث ورباع ، ويترنم به ولا يلتفت إلى معناه ، ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه ، أيرضى المرسل بمثل هذا ويكتفى به عن إجابة طلبه أم يعدّه استهزاء به ؟ فعلى المؤمن في كل زمان ومكان أن يتلوا القرآن بالتدبر والفهم والعمل بما فيه ، فإن كان أمّيّا أو أعجميّا فإنه ينبغي أن يطلب من أهل الذكر أن يفهموه معناه ويشرحوا له مغزاه .