المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له جملة - بين سر نسخه وأبطل مقال الطاعنين فيه ، بأنه تعالى يأمر بالشيء لما يعلم فيه من المصلحة ، ثم ينهى عنه لما يرى في ذلك من الخير حينئذ ، فأطيعوا أمره واتبعوا رسله في تصديق ما به أخبروا ، وترك ما عنه زجروا .
روى أن هذه الآيات نزلت حين قال المشركون أو اليهود ، ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ، فقد أمر في حد الزاني بإيذاء الزانيين باللسان حيث قال :
( فَآذُوهُما )
ثم غيّره وأمر بإمساكهنّ في البيوت حيث قال :
( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ )
ثم غيّره بقوله :
( فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ )
.
فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه ، يناقض بعضه بعضا ؛ ومقصدهم من ذلك الطعن في الدين ليضعفوا عزيمة من يريد الدخول فيه وينضوى تحت لوائه .
الإيضاح
( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها )
النسخ في لسان الشرع : بيان انتهاء الحكم المستفاد من الآية المتلوة ، وحكمته أن الأحكام ما شرعت إلا لمصلحة الناس ، وهي تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فإذا شرع حكم في وقت كانت الحاجة إليه ماسة ، ثم زالت الحاجة فمن الحكمة نسخه وتبديله بحكم يوافق الوقت الآخر فيكون خيرا من الأول أو مثله في فائدته للعباد ، وما مثل ذلك إلا مثل الطبيب الذي يغير الأغذية والأدوية باختلاف الأزمنة والأمزجة ، والأنبياء صلوات اللّه عليهم هم مصلحو النفوس ، يغيرون الأعمال الشرعية ، والأحكام الخلقية ، التي هي للنفوس بمثابة العقاقير والأدوية للأبدان ، فما يكون منها مصلحة في وقت قد يكون مفسدة في وقت آخر .