تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
أن ما صدر منهم من سوء الأدب في خطابه صلى اللّه عليه وسلم كفر لا شكّ فيه ، لأن من يصف النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه شرّير ، فقد أنكر نبوّته وأنه موحى إليه من قبل ربه ، ومتى فعل ذلك فقد كفر واستحق العذاب الأليم . قال الأستاذ الإمام : إن هذا التأديب ليس خاصا بمن كان في عصره من المؤمنين بل يعم من جاء بعدهم أيضا ، فهذا كتاب اللّه الذي كان يتلوه عليهم وكان يجب عليهم الاستماع له والإنصات لتدبره - هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شئ ، وهو كلام اللّه الذي به كان الرسول رسولا تجب طاعته والاهتداء بهديه - فما هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون ؟ إنهم يلغطون في مجلس القرآن فلا يستمعون ولا ينصتون ومن أنصت واستمع فإنما ينصت طربا بالصوت واستلذاذا بتوقيع نغمات القارئ ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولون في مجالس الغناء ، ويهتزون للتلاوة ويصوّتون بأصوات مخصوصة كما يفعلون عند سماع الغناء لا فرق ، ولا يلتفتون إلى شئ من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف عليه السلام ، مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ، ولا سيما العفة والأمانة ، أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها ؟
( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )
ا ه .
( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ )
أي إن الذين عرفتم شأنهم مع أنبيائهم من أهل الكتاب حسدة لكم لا يودون أن ينزل عليكم خير من ربكم ، والكتاب الكريم أعظم الخيرات فهو الهداية العظمى ، به جمع اللّه شملكم ووحّد شعوبكم وقبائلكم ، وطهّر عقولكم من زيغ الوثنية ، وأقامكم على سنن الفطرة ، وكذلك المشركون إذ يرون في نزول القرآن على طريق التتابع الوقت بعد الوقت قوة للإسلام ورسوخا لقواعده ، وتثبيتا لأركانه