كثرة ما شاهدوا من الآيات الدالة على صدقه ، كانوا في ريب من تحقيق ما قال لهم ، ويظنون أنه خدعهم حين أخرجهم من مصر وجاء بهم إلى البريّة .
وقد بلغ من إعناتهم له أن قالوا :
( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً )
وأن قالوا :
( لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ )
وهم يريدون بذلك أنه لا أمل لك في بقائنا معك على هذه الحال من التزام طعام واحد ، وربما لم يكن صدر منهم هذا القول عن سأم وكراهية لوحدة الطعام ، بل صدر عن بطر وطلب للخلاص مما يخشون .
الإيضاح
( وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ )
أي وإذ قال أسلافكم من قبل إعناتا لموسى وبطرا بما هم فيه ، لن نصبر على أن يكون طعامنا الذي لا يتغير أبدا هو المنّ والسلوى .
( فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها )
أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا كذا وكذا ، وإنما سألوه أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم ، وقالوا ربك ولم يقولوا ربنا لأنه اختصه بما لم يعط مثله لهم ، من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة ، فكأنهم قالوا ادع لنا من أحسن إليك بما لم يحسن به إلينا ، فكما أحسن إليك من قبل ، نرجو أن يحسن إليك بإجابة هذا الدعاء .
( قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؟ )
أي قال لهم موسى على سبيل التوبيخ والاستهجان : أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المنّ الذي فيه حلاوة تألفها الطباع ، والسلوى الذي هو أطيب لحوم الطير ، وهما غذاء كامل لذيذ وليس فيما طلبوا ما يساويهما ؟
( اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ )
أمرهم موسى أن ينزلوا من التيه ويسكنوا