وتصريح بأنهم ما كانوا مخطئين في الفهم ولا متأولين للحكم ، بل هم ارتكبوه عامدين مخالفين لما شرع اللّه لهم في دينهم .
( ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ )
أي إن كفرهم بآيات اللّه وجرأتهم على النبيين بالقتل ، إنما كانا بسبب عصيانهم وتعديهم حدود دينهم ، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتديّن به يحذر مخالفة أمره ، حتى إذا تعدى حدوده مرّة ضعف ذلك السلطان الديني في نفسه ، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد ، إلى أن تصير المخالفة طبعا وعادة وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه ، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلا في قرارة نفسه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 )
المعنى الجملي
بعد أن أنحى باللائمة على اليهود في الآيات السالفة ، وبيّن ما حاق بهم من الذل والمسكنة ، وما نالهم من غضب اللّه جزاء ما اجترحوه من السيئات من كفر بآيات اللّه ، وقتل للنبيين ، وعصيان لأوامر الدين ، وترك لحدوده ، ومخالفة لشرائعه ، ذكر هنا حال المستمسكين بحبل الدين المتين من كل أمة وكل شعب ممن اهتدى بهدى نبي سابق ، وانتسب إلى شريعة من الشرائع الماضية ، وصدق في الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وسطع على قلبه نور اليقين ، وأرشد إلى أنهم الفائزون بخيرى الدنيا والآخرة .