وكان اللّه تعالى جعل النفخ يأخذ مكان نطفة الرجل ، وكان تمثل الملك بصورة البشر كتمثل الطين بصورة الطير ، والنفخ في مريم كالنفخ في الطين ، وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة ، وإلا فعيسى خلق من نطفة مريم ، والجزء الآخر بإذن اللّه وقدرته
( كُنْ فَيَكُونُ ) *
وسنن اللّه التي أوجدها في الكون وكفل لها الاستمرار وعدم التبدل والتي قام عليها نظام العالم
( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )
قد بدّلت في المعجزات بالقدرة الإلهية التي تضع جميع السنن ، وكأنّ المعجزة سنة جديدة .
والخلاصة - إن المعجزات كلها من صنع اللّه ، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد كل يوم ، فحركة الشمس وطلوعها من المشرق مع عظمها لا تحدث دهشة لتعوّدنا إياها ، ولكن إن طلعت من المغرب دون المشرق كان معجزة وأحدث غرابة ودهشة مع أن الحركتين من صنع اللّه لا فارق بينهما ، ولكي لا تحدث الصدمة حين حصول المعجزة يهيئ اللّه الظروف لتحمّلها ، ويهيئ النبي لقبولها ، ويهيئ الحاضرين لمشاهدتها وقبولها ، فأمر اللّه موسى بإدخال يده في جيبه وإخراجها بيضاء تهيئة لمعجزاته الأخرى ، وليس للعقل أن يحكم أن أىّ المعجزات أعظم من الأخرى ، لأنه يتكلم عن مجهول هو من صنع اللّه لا يعرفه ، فلا يمكن الإنسان مهما ارتقى عقله أن يصل إلى صنعها ، بل هي فوق قدرته .
أما المخترعات العلمية فهي مبنية على السنن العلمية ، مهما ظهرت مدهشة كالكهرباء والمسرّة ( التليفون ) وغاية ما هناك أن العلماء سخروها لأغراضهم ، فالذي يتكلم في أوروبا ويسمع صوته في مصر بوساطة ( الراديو ) إنما استطاع ذلك ، لأنه قد استخدم الهواء الذي يحمل أمواج الصوت إلى العالم كله ، وهكذا حال سائر المخترعات ، إنما هي كشف لناموس إلهي يتكرر دائما على يد كل إنسان ، لكن المعجزات تجرى على طراز آخر ، فهي خلق سنة جديدة في الكون ، ولا تتكرر إلا بإذن اللّه ، ولا يعرف الإنسان لها قاعدة ولا يدرك طريقا لصنعها ا ه كلامه رحمه اللّه .