تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ )
أي وقلنا لهم كلوا مما رزقناكم من المنّ والسلوى واشربوا مما فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد ، وقد عبر عن الحال الماضية بالأمر ليستحضر السامع صورة أولئك القوم في ذهنه مرة أخرى حتى كأنهم حاضرون الآن والخطاب موجه إليهم .
( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ )
أي ولا تنشروا فسادكم في الأرض وتكونوا قدوة لغيركم فيه ، وقد جاء هذا النهى عقب الإنعام عليهم بطيّب المأكل والمشرب خيفة أن ينشأ الفساد بزيادة التبسط فيهما ، ولئلا يقابلوا النعم بالكفران . وقد أراد موسى أن يجتثّ أصول الشرك التي تغلغلت جذورها في نفوس قومه ، ويربأ بهم عن الذل الذي ألفته نفوسهم بتقادم العهد واستعباد المصريين إياهم ، ويعوّدهم العزة والشمم والإباء بعبادة اللّه وحده . وكانوا لا يخطون خطوة إلا اجترحوا خطيئة ، وكلما عرض لهم شئ من مشاقّ السفر برموا بموسى وتحسروا على فراق مصر وتمنّوا الرجوع إليها ، واستبطئوا وعد اللّه فطلبوا منه أن يجعل لهم إلها غير اللّه ، وصنعوا عجلا وعبدوه . وحينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدوا بها ، اعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين ، كما قصه اللّه علينا :
( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها )
فضرب اللّه عليهم التيه أربعين سنة حتى ينقرض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية ، ويخرج جيل جديد يتربى على العقائد الحقة وفضائل الأخلاق ، فتاهوا هذه المدة ، وقضى اللّه أمرا كان مفعولا .
تفسير المراغي — صفحة 129 | أحمد مصطفى المراغي