تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
والتزيين : التحسين ، وهو يشعر بأن المزيّن غير حسن في ذاته . و
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
يستعار للأمور المشاهدة ، وما خلفهم يستعار للأمور المغيبة . والمراد ب
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أمور الدنيا ، أي زينوا لهم ما يعملونه في الدنيا من الفساد مثل عبادة الأصنام ، وقتل النفس بلا حق ، وأكل الأموال ، والعدول على الناس باليد واللسان ، والميسر ، وارتكاب الفواحش ، والوأد . فعوّدوهم باستحسان ذلك كله لما فيه من موافقة الشهوات والرغبات العارضة القصيرة المدى ، وصرفوهم عن النظر فيما يحيط بأفعالهم تلك من المفاسد الذاتية الدائمة . والمراد ب
ما خَلْفَهُمْ
الأمور المغيبة عن الحس من صفات اللّه ، وأمور الآخرة من البعث والجزاء مثل الشرك باللّه ونسبة الولد إليه ، وظنهم أنه يخفى عليه مستور أعمالهم ، وإحالتهم بعثة الرسل ، وإحالتهم البعث والجزاء . ومعنى تزيينهم هذا لهم تلقينهم تلك العقائد بالأدلة السفسطائية مثل قياس الغائب على الشاهد ، ونفي الحقائق التي لا تدخل تحت المدركات الحسية كقولهم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ *
[ الصافات : 16 ، 17 ] . و
حَقَّ عَلَيْهِمُ
أي تحقق فيهم القول وهو وعيد اللّه إياهم بالنار على الكفر ، فالتعريف في
الْقَوْلُ
للعهد . وفي هذا العهد إجمال لأنه وإن كان قد ورد في القرآن ما يعهد منه هذا القول مثل قوله :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ
[ الزمر : 19 ] وقوله :
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ
[ الصافات : 31 ] ، فإنه يمكن أن لا تكون الآيات المذكورة قد سبقت هذه الآية . وقوله :
فِي أُمَمٍ
حال من ضمير
عَلَيْهِمُ
، أي حق عليهم حالة كونهم في أمم أمثالهم قد سبقوهم . والظرفية هنا مجازية ، وهي بمعنى التبعيض ، أي هم من أمم قد خلت من قبلهم حق عليهم القول . ومثل هذا الاستعمال قول عمرو بن أذينة :
إن تك عن أحسن الصنيعة مأفو * كا ففي آخرين قد أفكوا
أي فأنت من جملة آخرين قد صرفوا عن أحسن الصنيعة . و
مِنْ
في قوله :
مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
بيانية ، فيجوز أن يكون بيانا ل
أُمَمٍ
، أي من أمم من البشر ومن الشياطين فيكون مثل قوله تعالى :
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 84 ، 85 ] ، وقوله :
قالَ ادْخُلُوا فِي
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 44 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور