ومعنى
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
إن يسألوا العتبى ( بضم العين وفتح الموحدة مقصورا اسم مصدر الإعتاب ) وهي رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب . وفي المثل « ما مسيء من أعتب » أي من رجع عمّا أساء به فكأنه لم يسئ . وقلما استعملوا المصدر الأصلي بمعنى الرجوع استغناء عنه باسم المصدر وهو العتبى . والعاتب هو اللائم ، والسين والتاء فيه للطلب لأن المرء لا يسأل أحدا أن يعاتبه وإنما يسأله ترك المعاتبة ، أي يسأله الصفح عنه فإذا قبل منه ذلك قيل : أعتبه أيضا ، وهذا من غريب تصاريف هذه المادة في اللغة ولهذا كادوا أن يميتوا مصدر : أعتب بمعنى رجع وأبقوه في معنى قبل العتبى ، وهو المراد في قوله تعالى :
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
أي أن اللّه لا يعتبهم ، أي لا يقبل منهم .
[ 25 ]
[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 25 ]
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 )
عطف على جملة ويوم نحشر
أَعْداءُ اللَّهِ
[ فصلت : 19 ] ، وذلك أنه حكي قولهم المقتضي إعراضهم عن التدبر في دعوة الإيمان ثم ذكر كفر هم بخالق الأكوان بقوله
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] ثم ذكر مصيرهم في الآخرة بقوله ويوم نحشر
أَعْداءُ اللَّهِ
ثم عقب ذلك بذكر سبب ضلالهم الذي نشأت عنه أحوالهم بقوله :
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ
. وتخلل بين ما هنالك وما هنا أفانين من المواعظ والدلائل والمنن والتعاليم والقوارع والإيقاظ .
وقيّض : أتاح وهيّأ شيئا للعمل في شيء . والقرناء جمع : قرين ، وهو الصاحب الملازم ، والقرناء هنا : هم الملازمون لهم في الضلالة : إمّا في الظاهر مثل دعاة الكفر وأئمته ، وإما في باطن النفوس مثل شياطين الوسواس الذين قال اللّه فيهم :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
ويأتي في سورة الزخرف [ 36 ] . ومعنى تقييضهم لهم : تقديرهم لهم ، أي خلق المناسبات التي يتسبب عليها تقارن بعضهم مع بعض لتناسب أفكار الدعاة والقابلين كما يقول الحكماء « استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما » . فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب التآلف والتحابّ بين الجماعات ، ولمختلف الطبائع المكوّنة في نفوس بعض الناس فيقتضي بعضها جاذبية الشياطين إليها وحدوث الخواطر السيئة فيها . وللإحاطة بهذا المقصود أوثر التعبير هنا ب
قَيَّضْنا
دون غيره من نحو : بعثنا ، وأرسلنا .