تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وتسميتهم إياه بالقرآن حكاية لما يجري على ألسنة المسلمين من تسميته بذلك . وتعدية فعل
تَسْمَعُوا
باللام لتضمينه معنى : تطمئنوا أو تركنوا . واللغو : القول الذي لا فائدة فيه ، ويسمى الكلام الذي لا جدوى له لغوا ، وهو واوي اللام ، فأصل
وَالْغَوْا
: وألغوا استثقلت الضمة على الواو فحذفت والتقى ساكنان فحذف أولهما وسكنت الواو الثانية سكونا حيّا ، والواو علامة الجمع . وهذا الجاري على ظاهر كلام « الصحاح » و « القاموس » في « الكشاف » أنه يقال : لغي يلغى ، كما يقال : لغا يلغو فهو إذن واوي ويائي . فمعنى
وَالْغَوْا فِيهِ
قولوا أقوالا لا معنى لها أو تكلموا كلاما غير مراد منه إفادة أو المقصود إحداث أصوات تغمر صوت النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالقرآن . ولما كان المقصود بتخلّل أصواتهم صوت القارئ حتى لا يفقهه السامعون عدّي اللغو بحرف ( في ) الظرفية لإفادة إيقاع لغوهم في خلال صوت القارئ وقوع المظروف في الظرف على وجه المجاز . وأدخل حرف الظرفية على اسم القرآن دون اسم شيء من أحواله مثل صوت أو كلام ليشمل كل ما يخفي ألفاظ القرآن أو يشكك في معانيها أو نحو ذلك . وهذا نظم له مكانة من البلاغة . قال ابن عباس : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته فكان أبو جهل وغيره يطردون الناس عنه ويقولون لهم : لا تسمعوا له وألغوا فيه ، فكانوا يأتون بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز وما يحضرهم من الأقوال التي يصخبون بها » . وقد ورد في « الصحيح » « أنهم قالوا لمّا استمعوا إلى قراءة أبي بكر وكان رقيق القراءة : إنا نخاف أن يفتن أبناءنا ونساءنا » . ومعنى
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
رجاء أن تغلبوا محمدا بصرف من يتوقع أن يتبعه إذا سمع قراءته . وهذا مشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم إذ كان الذين يسمعونه يداخل قلوبهم فيؤمنون ، أي فإن لم تفعلوا فهو غالبكم . [ 27 ، 28 ]

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 27 إلى 28 ]

فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 ) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 28 ) دلت الفاء على أن ما بعدها مفرع عما قبلها : فإمّا أن يكون تفريعا على آخر ما تقدم وهو قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ
[ فصلت : 26 ] الآية ، وإمّا أن يكون مفرعا على جميع ما تقدم ابتداء من قوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ