تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
طرفه الثاني وهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قرأ الآية متمثلا بها فإن ذلك يؤوّل قول ابن مسعود فأنزل اللّه تعالى الآية ، ويبين وجه قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلّم إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقا لمثال من صور معنى الآية ، وهو أن مثل هذا النفر ممن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا مشركين يومئذ ، والآية تحق على من مات منهم كافرا مثل ربيعة بن أمية بن خلف . وعلى بعض احتمالات هذا التفسير يكون فعل
تَسْتَتِرُونَ
مستعملا في حقيقته أي تستترون بأعمالكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، وذلك توبيخ كناية عن أنهم ما كانوا يرون ما هم عليه قبيحا حتى يستتروا منه وعلى بعض الاحتمالات فيما ذكر يكون فعل
تَسْتَتِرُونَ
مستعملا في حقيقته ومجازه ، ولا يعوزك توزيع أصناف هذه الاحتمالات : أن بعضها مع بعض في كل تقدير تفرضه . وحاصل معنى الآية على جميع الاحتمالات : أن اللّه عليم بأعمالكم ونياتكم لا يخفى عليه شيء منها إن جهرتم أو سترتم وليس اللّه بحاجة إلى شهادة جوارحكم عليكم وما أوقعكم في هذا الضر إلا سوء ظنكم بجلال اللّه .
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ
الإشارة إلى الظن المأخوذ من فعل
ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
، ويستفاد من الإشارة إليه تمييزه أكمل تمييز وتشهير شناعته للنداء على ضلالهم . وأتبع اسم الإشارة بالبدل بقوله :
ظَنُّكُمُ
لزيادة بيانه ليتمكن ما يعقبه من الخبر ، والخبر هو فعل
أَرْداكُمْ
وما تفرع عليه . و
الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
صفة ل
ظَنُّكُمُ
. والإتيان بالموصول لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو
أَرْداكُمْ
وما تفرع عليه ، أي الذي ظننتم بربكم ظنا باطلا . والعدول عن اسم اللّه العلم إلى
بِرَبِّكُمْ
للتنبيه على ضلال ظنهم ، إذ ظنوا خفاء بعض أعمالهم عن علمه مع أنه ربهم وخالقهم فكيف يخلقهم وتخفى عنه أعمالهم ، وهو يشير إلى قوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 14 ] ، ففي وصف
بِرَبِّكُمْ
إيماء إلى هذا المعنى . والإرداء : الإهلاك ، يقال : ردي كرضي ، إذا هلك ، أي مات ، والإرداء مستعار للإيقاع في سوء الحالة بحيث أصارهم مثل الأموات فإن ذلك أقصى ما هو متعارف بين الناس في سوء الحالة وفي الإتيان بالمسند فعلا إفادة قصر ، أي ما أرداكم إلا ظنكم ذلك ، وهو قصر إضافي ، أي لم تردكم شهادة جوارحكم حتى تلوموها بل أرداكم ظنكم أن اللّه لا يعلم أعمالكم فلم تحذروا عقابه .