تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
يتعدى به فعل
تَسْتَتِرُونَ
إلى
أَنْ يَشْهَدَ
وهو محذوف على الطريقة المشهورة في حذف حرف الجر مع ( أن ) . وتقديره : بحسب ما يدل عليه الكلام وهو هنا يقدر حرف من ، أي ما كنتم تستترون من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، أي ما كنتم تستترون من تلك الشهود ، وما كنتم تتقون شهادتها ، إذ لا تحسبون أن ما أنتم عليه ضائر إذ أنتم لا تؤمنون بوقوع يوم الحساب . فأما ما ورد في سبب نزول الآية فهو حديث « الصحيحين » و « جامع الترمذي » بأسانيد يزيد بعضها على بعض إلى عبد اللّه بن مسعود قال : « كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي « 1 » قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فتكلموا بكلام لم أفهمه ، فقال أحدهم : أترون اللّه يسمع ما نقول ، فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا ، قال عبد اللّه : فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ
إلى قوله :
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
. وهذا بظاهره يقتضي أن المخاطب به نفر معين في قضية خاصة مع الصلاحية لشمول من عسى أن يكون صدر منهم مثل هذا العمل للتساوي في التفكير . ويجعل موقعها بين الآيات التي قبلها وبعدها غريبا ، فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالي لنزول التي قبلها ، ويجوز أن تكون نزلت في وقت آخر وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أمر بوضعها في موضعها هذا لمناسبة ما في الآية التي قبلها من شهادة سمعهم وأبصارهم . ومع هذا فهي آية مكية إذ لم يختلف المفسرون في أن السورة كلها مكية . وقال ابن عطية : يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ، ويشبه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد اللّه إياه ا ه . وفي كلامه الأول مخالفة لما جزم به هو وغيره من المفسرين أن السورة كلها مكية ، وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيره أن النفر الثلاثة هم : عبد ياليل الثقفي وصفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف ، فأما عبد ياليل فأسلم وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة ، وكذلك صفوان بن أمية ، وأما ربيعة بن أمية فلا يعرف له إسلام فلا يلاقي ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة . وأحسن ما في كلام ابن عطية
هامش
( 1 ) الشك من أبي معمر راوي هذا الحديث عن ابن مسعود وجزم وهب بن ربيعة راويه عن ابن مسعود بقوله : ثقفي وقريشيان ، وعن الثعلبي : أن الثقفي عبد ياليل بن مسعود الثقفي والقرشيين ربيعة بن أمية وصفوان بن أمية . وهما ختنان لعبد ياليل .