تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
في « شرح الشافية » . وقوله :
مِنْ فَوْقِهِنَّ
يجوز أن يكون ضمير
فَوْقِهِنَّ
عائدا على
السَّماواتُ
، فيكون المجرور متعلقا بفعل
يَتَفَطَّرْنَ
بمعنى : أن انشقاقهن يحصل من أعلاهنّ ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشقّ أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى ، كما قيل في قوله تعالى :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها *
كما تقدم في سورة البقرة [ 259 ] وفي سورة الحج [ 45 ] . وتكون
مِنْ
ابتدائيّة . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى
الْأَرْضِ
من قوله تعالى :
وَما فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 4 ] على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] . وتكون
مِنْ
زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية ، فيفيد الظرف استحضار حالة التفطر وحالة موقعه ، وقد شبه انشقاق السماء بانشقاق الوردة في قوله تعالى :
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[ الرحمن : 37 ] . والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح برعومها فيوشك إن هن تفطّرن أن يخررن على الأرض ، أي يكاد يقع ذلك لما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
[ مريم : 88 - 90 ] ويرجحه قوله الآتي :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ
[ الشورى : 6 ] . وعن ابن عباس يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ
من قول المشركين
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً *
[ البقرة : 116 ] .
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
. جملة عطفت على جملة يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ
لإفادتها تقرير معنى عظمة اللّه تعالى وجلاله المدلول عليهما بقوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ الشورى : 4 ] . مرتبة واجب الوجود سبحانه وهو أهل التنزيه والحمد ومرتبة الروحانيات وهي الملائكة وهي واسطة المتصرف القدير ومفيض الخير في تنفيذ أمره من تكوين وهدى وإفاضة خير على النّاس ، فهي حين تتلقى من اللّه أوامره تسبّحه وتحمده ، وحين تفيض خيرات ربّها على عباده تستغفر للذين يتقبلونها تقبل العبيد المؤمنين بربّهم ، وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها ، وذلك بتأثيرها في نظم أحوال العالم الإنساني . ومرتبة البشرية المفضلة بالعقل إذ أكمله الإيمان وهي المراد ب ( من في الأرض ) .