تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
القصر ، أي لا عليّ ولا عظيم غيره لأن من عداه لا يخلو عن افتقار إليه فلا علوّ له ولا عظمة . وهذا قصر قلب ، أي دون آلهتكم فلا علو لها كما تزعمون . قال أبو سفيان : اعل هبل . وتقدم معنى هاتين الجملتين في خلال آية الكرسي من سورة البقرة . [ 5 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 5 ]

تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 5 )
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
. جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ الشورى : 4 ] ولذلك لم تعطف عليها ، أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدّة تسخرهن فيما يسخرهن اللّه له من عمل لا يخالف ما قدّره اللّه لهنّ ، وأيضا قد قيل : إن المعنى : يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب وتصاريف الأقدار ، فيكون في معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « أطّت السماء وبحقها أن تئطّ . والذي نفس محمّد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح اللّه بحمده » « 1 » ويرجّحه تعقيبه بقوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
كما سيأتي . وقرأ نافع وحده والكسائي يكاد بتحتية في أوّله . وقرأه الباقون بفوقية وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غير المذكر السالم وخاصة مع عدم التأنيث الحقيقي . وتقدم في سورة مريم [ 90 ] قوله : يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
. وقرأ الجمهور
يَتَفَطَّرْنَ
بتحتية ثم فوقية وأصله مضارع التفطر ، وهو مطاوع التفطير الذي هو تكرير الشقّ . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بتحتيّة ثم نون وهو مضارع : انفطر ، مطاوع الفطر مصدر فطر الثلاثي ، إذا شقّ ، وليس المقصود منه على القراءتين قبول أثر الفاعل إذ لا فاعل هنا للشقّ وإنّما المقصود الخبر بحصول الفعل ، وهذا كثير ، كقولهم : انشقّ ضوء الفجر ، فلا التفات هنا لما يقصد غالبا في مادة التفعل من تكرير الفعل إذ لا فاعل للشقّ هنا ولا لتكرره ، فاستوت القراءتان في باب البلاغة ، على أنّ استعمال صيغ المطاوعة في اللّغة ذو أنحاء كثيرة واعتبارات كما نبه عليه كلام الرضيّ
هامش
( 1 ) أخرجه ابن مردويه عن أنس وهو حديث حسن .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور