تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
فإفادته متوقفة على ذكر أو على تقدير ما يدل على شيء آخر زائد على المفعول ومن علائقه ، فلذلك أوثر وصف
حَفِيظٌ
هنا بالإسناد إلى اسم الجلالة لأن اللّه جلّ عن أن يكلفه غيره حفظ شيء فهو فاعل الحفظ ، وأوثر وصف ( وكيل ) بالإسناد إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأن المقصود أن اللّه لم يكلفه بأكثر من التبليغ ، والمعنى : اللّه رقيب عليهم لا أنت وما أنت بموكل من اللّه على جبرهم على الإيمان . وفي معناه قوله في آخر هذه السورة
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى : 48 ] . وأيضا هي كالبيان لما في جملة يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ
[ الشورى : 5 ] لأنّ من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة . ولولا أنّها أريد منها زيادة تقرير معنى جملة
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ الشورى : 4 ] لكانت جديرة بأن تفصل ولكن رجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلوّ والعظمة للّه تعالى . وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ
بها كما علمته آنفا . فقوله :
الْمَلائِكَةُ
[ الشورى : 5 ] مبتدأ وجملة
يُسَبِّحُونَ
[ الشورى : 5 ] خبر والمقصود الإعلام بجلال اللّه . وتسبيح الملائكة بحمد اللّه : خضوع لعظمته وعلوه ، والتسبيح : التنزيه عن النقائص . فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة اللّه تعالى فهو : انفعال روحاني كقوله تعالى :
اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
[ الأعراف : 205 ] ، وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملكية وكذلك حمدهم ربّهم واستغفارهم لمن في الأرض . ومفعول
يُسَبِّحُونَ
محذوف دلّ عليه مصاحبته
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[ الشورى : 5 ] تقديره : يسبحون ربّهم ، والباء للمصاحبة ، أي يسبحون تسبيحا مصاحبا لحمدهم ربّهم ، أي الثناء عليه بصفاته الكمالية ، ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم وعلى غيرهم ، فالمعنى : يسبحون اللّه ويحمدونه . وهذا تعريض بالمشركين إذ أعرضوا عن تسبيح ربّهم وحمده وشغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ولا تنفعهم ولا تضرهم . وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه اللّه عمّا لا يليق به أهم من إثبات صفات الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى . ولذلك كانت الصفات المعبّر عنها بصفات السّلوب مقدمة في ترتيب علم الكلام على صفات المعاني - عندنا -