تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ولك أن تعتبر صيغة المضارع منظورا فيها إلى متعلّقي الإيحاء وهو
إِلَيْكَ
و
إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ
، فتجعل المضارع لاستحضار الصورة من الإيحاء إلى الرّسل حيث استبعد المشركون وقوعه فجعل كأنّه مشاهد على طريقة قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
[ فاطر : 9 ] وقوله :
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ
[ هود : 38 ] . وقرأ الجمهور
يُوحِي
بصيغة المضارع المبني للفاعل واسم الجلالة فاعل . وقرأه ابن كثير
يُوحِي
بالبناء للمفعول على أن
إِلَيْكَ
نائب فاعل ، فيكون اسم الجلالة مرفوعا على الابتداء بجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنّه لما قال : يوحى إليك ، قيل : ومن يوحيه ، فقيل : اللّه العزيز الحكيم ، أي يوحيه اللّه على طريقة قول ضرار بن نهشل « 1 » أو الحارث بن نهيك « 2 » :
ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط ممّا تطيح الطوائح
إذ كانت رواية البيت بالبناء للنائب . [ 4 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 4 ]

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 4 ) جملة
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
مقررة لوصفه
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الشورى : 3 ] لأن من كان ما في السماوات وما في الأرض ملكا له تتحقق له العزّة لقوة ملكوته ، وتتحقق له الحكمة لأن الحكمة تقتضي خلق ما في السماوات والأرض وإتقان ذلك النظام الذي تسير به المخلوقات . ولكون هذه الجملة مقررة معنى التي قبلها كانت بمنزلة التأكيد فلم تعطف عليها . وجملة
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
عطف عليها مقررة لما قررته الجملة قبلها فإن من اتصف بالعلاء والعظمة لو لم يكن عزيزا لتخلف علاؤه وعظمته ، ولا يكون إلا حكيما لأن علاءه يقتضي سموّه عن سفاسف الصفات والأفعال ، ولو لم يكن عظيما لتعلقت إرادته بسفاسف الأمور ولتنازل إلى عبث الفعال . والعلو هنا علو مجازي ، وهو السموّ في الكمال بحيث كان أكمل من كل موجود كامل . والعظمة مجازية وهي جلالة الصفات والأفعال . وأفادت صيغة الجملة معنى
هامش
( 1 ) كذا نسب في كتب علم المعاني . ( 2 ) كذا عزاه سيبويه في كتابه .