إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا إذ لا ينتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنّحر أو الذبح وإن المقصد من شرعها انتفاع الناس المهدين وغيرهم .
فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم كما
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في تحريم صيام يوم النّحر : « يوم تأكلون فيه من نسككم »
فذلك نفع لأنفسهم ولأهاليهم ولو بالادخار منه إلى رجوعهم إلى آفاقهم .
وأما غيرهم فانتفاع من ليس له هدي من الحجيج بالأكل مما يهديه إليهم أقاربهم وأصحابهم ، وانتفاع المحاويج من أهل الحرم بالشبع والتزود منها والانتفاع بجلودها وجلالها وقلائدها .
كما أومأ إليه قوله تعالى :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
[ المائدة : 97 ] .
وقد عرض غير مرة سؤال عما إذا كانت الهدايا أوفر من حاجة أهل الموسم قطعا أو ظنا قريبا من القطع كما شوهد ذلك في مواسم الحجّ ، فما يبقى منها حيّا يباع وينفق ثمنه في سدّ خلة المحاويج أجدى من نحره أو ذبحه حين لا يرغب فيه أحد ، ولو كانت اللحوم التي فات أن قطعت وكانت فاضلة عن حاجة المحاويج يعمل تصبيرها بما يمنع عنها التعفّن فينتفع بها في خلال العام أجدى للمحاويج .
وقد ترددت في الجواب عن ذلك أنظار المتصدّين للإفتاء من فقهاء هذا العصر ، وكادوا أن تتفق كلمات من صدرت منهم فتاوى على أن تصبيرها مناف للتعبد بهديها .
أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل عن حاجة الناس في أيام الحج ، لينتفع بها المحتاجون في عامهم ، أوفق بمقصد الشارع تجنبا لإضاعة ما فضل منها رعيا لمقصد الشريعة من نفع المحتاج وحفظ الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه بقوله تعالى :
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ
[ الحج : 36 ] وقوله : و
كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
، جمعا بين المقاصد الشرعية .
وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة بحيث لا يتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول طلبا لفضيلة المبادرة ، فإن التقوى التي