تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
النّحر ، وخير الآخرة من ثواب المهدين ، وثواب الشكر من المعطين لحومها لربّهم الذي أغناهم بها . وفرع على ذلك أن أمر الناس بأن يذكروا اسم اللّه عليها حين نحرها . وصوافّ : جمع صافّة . يقال : صف إذا كان مع غيره صفّا بأن اتّصل به . ولعلّهم كانوا يصفّونها في المنحر يوم النّحر بمنى ، لأنه كان بمنى موضع أعدّ للنحر وهو المنحر . وقد ورد في حديث مسلم عن جابر بن عبد اللّه في حجّة الوداع قال فيه : « ثم انصرف رسول اللّه إلى المنحر فنحر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده ثلاثا وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده ثم أعطى الحربة عليّا فنحر ما غبر ، أي ما بقي وكانت مائة بدنة » وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة . وانتصب
صَوافَّ
على الحال من الضمير المجرور في قوله
عَلَيْها
. وفائدة هذه الحال ذكر محاسن من مشاهد البدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالا . وقريب منه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
[ الصف : 4 ] . ومعنى
وَجَبَتْ
سقطت ، أي إلى الأرض ، وهو كناية عن زوال الروح التي بها الاستقلال . والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعا إلى الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر من هديه ، وكذلك الخير الحاصل من ثواب الآخرة . والأمر في قوله
فَكُلُوا مِنْها
مجمل ، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ويحتمل الندب ، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأنّ المكلف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه . وإنما أراد اللّه إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب . واختلف الفقهاء في الأكل من لحوم الهدايا الواجبة . فقال مالك : يباح الأكل من لحوم الهدايا الواجبة ، وهو عنده مستحبّ ولا يؤكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين ، والحجّة لمالك صريح الآية . فإنها عامة إلا ما قام الدّليل على منعه وهي الثلاثة الأشياء المستثناة .