تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
المغايرة ، ولو كانا في معنى واحد لما عطف عليه كما لم يعطف في قوله
وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
[ الحج : 28 ] . وجملة و
كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ
استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع الناس . والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخّرها للناس مع ضعف الإنسان وقوّة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها بالإشعار ثم بالطعن . ولولا أنّ اللّه أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت أعجز من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخّر له . وقوله
كَذلِكَ
هو مثل نظائره ، أي مثل ذلك التسخير العجيب الذي ترونه كان تسخيرها لكم . ومعنى
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
خلقناها مسخرة لكم استجلابا لأن تشكروا اللّه بإفراده بالعبادة . وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشكر موضع الشكر . [ 37 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 37 ]

لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 )
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
جملة في موضع التعليل لجملة
كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ الحج : 36 ] ، أي دلّ على أنّا سخرناها لكم لتشكروني أنه لا انتفاع للّه بشيء من لحومها ولا دمائها حين تتمكنون من الانتفاع بها فلا يريد اللّه منكم على ذلك إلا أن تتّقوه . والنيل : الإصابة . يقال ناله ، أي أصابه ووصل إليه . ويقال أيضا بمعنى أحرز ، فإن فيه معنى الإصابة كقوله تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] وقوله :
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
[ التوبة : 74 ] . والمقصود من نفي أن يصل إلى اللّه لحومها ودماؤها إبطال ما يفعله المشركون من نضح الدماء في المذابح وحول الكعبة وكانوا يذبحون بالمروة . قال الحسن : كانوا يلطخون بدماء القرابين وكانوا يشرّحون لحوم الهدايا وينصبونها حول الكعبة قربانا للّه تعالى ، يعني زيادة على ما يعطونه للمحاويج . وفي قوله :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
إيماء إلى أن