تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
آمنوا ، بأن اللّه لا يحب الكافرين الخائنين ، فلذلك يدفع عن المؤمنين لردّ أذى الكافرين : ففي هذا إيذان بمفعول
يُدافِعُ
المحذوف ، أي يدافع الكافرين الخائنين . والخوّان : الشديد الخون ، والخون كالخيانة ، الغدر بالأمانة ، والمراد بالخوّان الكافر ، لأن الكفر خيانة لعهد اللّه الذي أخذه على المخلوقات بأن يوحدوه فجعله في الفطرة وأبلغه الناس على ألسنة الرسل فنبه بذلك ما أودعهم في فطرتهم . والكفور : الشديد الكفر : وأفادت ( كلّ ) في سياق النفي عموم نفي محبة اللّه عن جميع الكافرين إذ لا يحتمل المقام غير ذلك . ولا يتوهم من قوله
لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ
أنه يحب بعض الخوانين لأن كلمة ( كلّ ) اسم جامد لا يشعر بصفة فلا يتوهم توجه النفي إلى معنى الكلية المستفاد من كلمة
كُلَّ
وليس هو مثل قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] الموهم أن نفي قوّة الظلم لا يقتضي نفي قليل الظلم . [ 39 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 39 ]

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) جملة وقعت بدل اشتمال من جملة :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ
[ الحج : 38 ] لأن دفاع اللّه عن الناس يكون تارة بالإذن لهم بمقاتلة من أراد اللّه مدافعتهم عنهم فإنه إذا أذن لهم بمقاتلتهم كان متكفلا لهم بالنصر . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وعاصم
أُذِنَ
بالبناء للنائب . وقرأه الباقون بالبناء إلى الفاعل . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص ، وأبو جعفر يقاتلون - بفتح التاء الفوقية - مبنيا إلى المجهول . وقرأه البقية - بكسر التاء - مبنيا للفاعل . والذين يقاتلون مراد بهم المؤمنون على كلتا القراءتين لأنهم إذا قوتلوا فقد قاتلوا . والقتال مستعمل في المعنى المجازي إما بمادته ، وإما بصيغة المضي . فعلى قراءة - فتح التاء - فالمراد بالقتال فيه القتل المجازي ، وهو الأذى . وأما على قراءة يقاتلون - بكسر التاء - فصيغة المضي مستعملة مجازا في التهيّؤ والاستعداد ، أي أذن للذين تهيّئوا للقتال وانتظروا إذن اللّه . وذلك أنّ المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة أذى شديدا فكان المسلمون يأتون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه ، فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور