تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحجّ . وأمر بالتطوع بها فوعد عليها بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجعل الإلهي يمنا وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر اللّه ، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة
لَكُمْ
. والبدن : جمع بدنة بالتحريك ، وهي البعير العظيم البدن . وهو اسم مأخوذ من البدانة ، وهي عظم الجثّة والسمن ، وفعله ككرم ونصر ، وليست زنة بدنة وصفا ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف ، وجمعه بدن . وقياس هذا الجمع أن يكون مضموم الدال مثل خشب جمع خشبة ، وثمر جمع ثمرة ، فتسكين الدال تخفيف شائع ، وغلب اسم البدنة على البعير المعيّن للهدي . و في « الموطأ » : « عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها ، فقال : إنها بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة » فقول الرجل : إنها بدنة ، متعين لإرادة هديه للحجّ . وتقديم
الْبُدْنَ
على عامله للاهتمام بها تنويها بشأنها . والاقتصار على البدن الخاص بالإبل لأنها أفضل في الهدي لكثرة لحمها ، وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنّة ، واسم ذلك هدي . ومعنى كونها من شعائر اللّه : أنّ اللّه جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها حرمة . وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلّم بها بعير الهدي في جلده إشعارا . قال مالك في « الموطأ » : « كان عبد اللّه بن عمر إذا أهدى هديا من المدينة قلّده وأشعره بذي الحليفة ، يقلّده قبل أن يشعره . . . يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر . . . » بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر . وقد عدها في جملة الحرمات في قوله :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ
في سورة العقود [ 2 ] . وتقديم
لَكُمْ
على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم ، وتقديم
فِيها
على متعلّقه وهو
خَيْرٌ
للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه من الفوائد . والخير : النّفع ، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع الفقراء بلحومها وجلودها وجلالها ونعالها وقلائدها . وما يحصل للمهدين وأهلهم من الشبع من لحمها يوم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 190 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور